العجلوني
346
كشف الخفاء
كتبنا عليهم - الآية ) * فإنها دلت على حبهم وطنهم ، مع عدم تلبسهم بالإيمان ، إذ ضمير عليهم للمنافقين ، لكن انتصر له بعضهم بأنه ليس في كلامه أنه لا يحب الوطن إلا مؤمن ، وإنما فيه أن حب الوطن لا ينافي الإيمان انتهى ، كذا نقله القاري ثم عقبه بقوله ولا يخفى أن معنى الحديث حب الوطن من علامة الإيمان وهي لا تكون إلا إذا كان الحب مختصا بالمؤمن ، فإذا وجد فيه وفي غيره لا يصلح أن يكون علامة قوله ومعناه صحيح نظرا إلى قوله تعالى حكاية عن المؤمنين * ( وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ) * فصحت معارضته بقوله تعالى * ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا - الآية ) * الأظهر في معنى الحديث إن صح مبناه أن يحمل على أن المراد بالوطن الجنة فإنها المسكن الأول لأبينا آدم على خلاف فيه أنه خلق فيها أو أدخل بعدما تكمل وأتم ، أو المراد به مكة فإنها أم القرى وقبلة العالم ، أو الرجوع إلى الله تعالى على طريقة الصوفية فإنه المبدأ والمعاد كما يشير إليه قوله تعالى * ( وأن إلى ربك المنتهى ) * أو المراد به الوطن المتعارف ولكن بشرط أن يكون سبب حبه صلة أرحامه ، أو إحسانه إلى أهل بلده من فقرائه وأيتامه ، ثم التحقيق أنه لا يلزم من كون الشئ علامة له اختصاصه به مطلقا ، بل يكفي غالبا ألا ترى إلى حديث حسن العهد من الإيمان وحب العرب من الإيمان مع أنهما يوجدان في أهل الكفران انتهى ، ومما يدل لكون المراد به مكة ما روى ابن أبي حاتم عن الضحاك قال لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأنزل الله * ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) * قال إلى مكة انتهى ، وللخطابي في غريب الحديث عن الزهري قال قدم أصيل - بالتصغير - الغفاري على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قبل أن يضرب الحجاب ، فقالت له عائشة كيف تركت مكة ؟ قال اخضرت جنباتها ، وابيضت بطحاؤها ، وأغدق إذخرها ، وانتشر سلمها - الحديث ، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبك يا أصيل لا تحزني ، وفي رواية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ويها يا أصيل ! تدع القلوب تقر .